عثمان بن جني ( ابن جني )
401
الخصائص
باب في العربي الفصيح ينتقل لسانه اعلم أن المعمول عليه في نحو هذا أن تنظر حال ما انتقل إليه لسانه . فإن كان إنما انتقل من لغته إلى لغة أخرى مثلها فصيحة وجب أن يؤخذ بلغته التي انتقل إليها ، كما يؤخذ بها قبل انتقال لسانه إليها ، حتى كأنه إنما حضر غائب من أهل اللغة التي صار إليها ، أو نطق ساكت من أهلها . فإن كانت اللغة التي انتقل لسانه إليها فاسدة لم يؤخذ بها [ ويؤخذ بالأولى ] ، حتى كأنه لم يزل من أهلها . وهذا واضح . فإن قلت : فما يؤمنك أن تكون كما وجدت في لغته فسادا بعد أن لم يكن فيها فيما علمت ، أن يكون فيها فساد آخر فيما لم تعلمه . فإن أخذت به كنت آخذا بفاسد عروض " 1 " ما حدث فيها من الفساد فيما علمت ، قيل هذا يوحشك من كل لغة صحيحة ؛ لأنه يتوجه منه أن تتوقّف عن الأخذ بها ؛ مخافة أن يكون فيها زيغ حادث لا تعلمه الآن ، ويجوز أن تعلمه بعد زمان ، كما علمت من حال غيرها فسادا حادثا لم يكن فيما قبل فيها . وإن اتجه هذا انخرط عليك منه ألا تطيب نفسا بلغة ، وإن كانت فصيحة مستحكمة . فإذا كان أخذك بهذا مؤدّيا إلى هذا رفضته ولم تأخذ به ، وعملت على تلقّى كل لغة قويّة معربة بقبولها واعتقاد صحتها . وألا توجّه ظنّة إليها ، ولا تسوء رأيا في المشهود تظاهره من اعتدال أمرها . وذلك كما يحكى من أن أبا عمرو استضعف فصاحة أبى خيرة لمّا سأله فقال : كيف تقول استأصل اللّه عرقاتهم ، ففتح أبو خيرة التاء ، فقال له أبو عمرو : هيهات أبا خيرة لان جلدك ! فليس لأحد أن يقول : كما فسدت لغته في هذا ينبغي أن أتوقف عنها في غيره ( لما حذرناه ) قبل ووصفنا . فهذا هو القياس ، وعليه يجب أن يكون العمل . * * *
--> ( 1 ) العروض : الطريقة والناحية ، والعروض أيضا : النظير .